بأيّ معنى من المعاني كان مفجّرو المركز التجاري العالمي ينتمون إلى الإسلام؟ وَضع هذا السؤالَ جانباً كثيرٌ من المحلّلين الغربيين الذين لا يصبرون على دقائق علم أصول الدين؛ غير أنّه قد يكون مفتاحاً لفهم الهجمات
من غير ريب، لم يتخرج ابن لادن ولا شريكه الأساسي أيمن الظواهري من جامعات أو معاهد إسلامية، ولذلك فإنّ تصريحاتهما تتجاهل 14 قرناً من التراث المعرفي الإسلامي، وتأخذ بدل ذلك صورة قوائمَ مُدرجٌ فيها تظلّمات ضد أمريكا واقتباسات قرآنية تشير إلى الحروب الإسلامية الأولى ضد المشركين العرب؛ ومن ثمّ يتبع ذلك استنتاجٌ مفاده أنّ جميع الأمريكيين، مدنيين وعسكريين، يتعيّن إزالتهم من على وجه الأرض.
وكل هذا يوصل إلى انتهاك شاذ ومتطرّف للطرق السوية لمنهج الفكر الإسلامي. ولو أنّ مصدّري هذه الفتاوى اتّبعوا قواعد دينهم لأقرّوا بحقيقة أنّه لا يوجد مذهب إسلامي أصيل يجيز استهداف المدنيين؛ وإنّ الخارج عن هذا الأمر من الذين يقتلون غير المحاربين يعدّ جانياً باغياً، وهذا البغي هو خطيئة كبيرة في الشرع الإسلامي؛ على أنّ إعلان الجهاد لا يكون إلا من قبل دولة ذات كيان صحيح، وغير ذلك يعدّ ضرباً من ’العمل المسلح غير الشرعي والخارج على القانون‘.
وإنّ تحديد الرأي الأقوم في المذهب السني الإسلامي السائد من الصعوبة بمكان، وذلك لأن هذا المذهب له خط مساواة يجعله يأبى تشكيل هياكل تراتبية، فقد برز علماء الدين والمفتون عبر إذن متأنٍّ وإجازة مترويّة من أشياخهم ومعلّميهم، فلم يكن ذلك عن طريق نيلهم رخصة تعليم رسمية من قبل مؤسسة مشابهة للكنيسة.
وبالرغم من عدم الرسمية في الظاهر، غير أنه يوجد نهج إسلامي سني قياسي، عُبِّر عنه بثبات منسجم تماماً كنظام اعتقادي مستنبط من النصوص المقدّسة والشرعية الإسلامية بوساطة أجيال متسلسلة من شروح العلماء وتفاسيرهم العلمية عبر القرون. وحتى عدة قرون خلت كان التفسير القرآني الذي يتضمّن آراءً شخصية للمؤلّف يُصرَف النظر عنه باعتباره متجاوزاً الحد. وفي القرن 19، أُعلِن المصلح الإيراني الملقّب بـ’الباب‘ بأنّه خارج عن حظيرة الإسلام، إذ تجاهل الأبحاث والمناقشات العلمية المتراكمة عبر القرون وكتب تفسيراً قرآنياً يعتمد على فهم مباشر خاص به للنصوص.
ولقد رأينا الغرابة وكذلك الشدّة التي عكستها التنديدات القوية التي سمعناها من علماء المسلمين في أنحاء العالم. فبالنسبة إليهم كان ما حدث لحظة نادرة من الوحدة؛ إذ أدان محمد طنطاوي شيخ جامعة الأزهر في القاهرة – أعلى مؤسسة إسلامية تعليمية في العالم السنّي – الاعتداءات بمرارة؛ وفي إيران الشيعية وصف آية الله الكاشاني الاعتداءات بأنّها مأساوية، وطالب بتحرّك عالمي ضدّ مرتكبيها المجرمين. كما أنّ منظمة المؤتمر الإسلامي، المعروفة بترددها في العادة، أدانت بالإجماع "هذه الأعمال الوحشية الإجرامية".
فلماذا يقوم مسلمون متديّنون في الظاهر بتحدّي رأي الشريعة الإسلامية المتفق عليه؟ الأسباب – وكذلك اللوم – يمكن أن نجدها لدى طرفي الانقسام، الغرب والإسلام حسب ابن لادن، الذي فصل الغرب عن الإسلام تماماً.
فعلى الجانب الغربي، كان إحجام الغرب عن مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للمواقع المقدّسة الإسلامية في القدس من غير ريب قد ساهم في تهميش الأصوات الإسلامية السائدة في الشرق الأوسط. وهذه الأصوات، التي تتكلّم بحذر من جامعات دينية عريقة ومساجد جليلة، قد أبت أن تستغل الكراهية – بدل أن تهدّئها – التي يشعر بها عموم الناس تجاه السياسة الإسرائيلية، ومن ثمّ الولايات المتحدة. وهذا الإخفاق المدرَك في عمل أي تغيير فسح المجال لأصوات تتسم بالشراسة والتصلّب لكسب المصداقية بطريقة كانت غير متصوَّرَة قبل الاستيلاء على القدس العربية عام 1967.
ومع ذلك فمن التبسيط المفرط ومن غير الإنصاف الزعم بأنّ السياسة الغربية هي من أشعل فتيل أحداث الشهر الماضي. ومن غير موقف ديني يبرّر رفض الموقف السائد، فإنّ خيبة الأمل من الرأي الأقوم كان سيؤدّي إلى خيبة أمل من الدين، ومن ثمّ يفضي إلى البحث عن إجابات علمانية.
بيد أنّ هذه العقيدة البديلة موجودة، إذ بينما كانت السعودية نفسها ثابتة في معارضتها للتطرّف، كانت أيضاً تقوم من حين لآخر ومن غير قصد بتغذية الآراء الدينية الثورية. فقد كانت العقيدة الوهابية في السعودية، قبل انفجار ثروة النفط في الستينيات، غير منتَبَهٍ إليها على الغالب من قِبَل العالم الإسلامي الأوسع. وإنّ واسعي المعرفة من المسلمين الذين عرفوا الوهابية كانوا ينبذونها بشكل نمطي باعتبارها حركة متزمّتة بدوية ساذجة ليس لديها ما تضيفه إلى نشاطهم المركزي – وهو استكشاف الاستراتيجيات الإسلامية الخاصة باستيعاب العالم الحديث.
وعندما كنت أدرس في جامعة الأزهر، قيل لنا بأنّ الوهابية مبتدعة – ليس فقط بسبب طرحها لمسائل مثل إلحاحها على أنّ شَبَهَ كلام الله القرآني للبشر يتعيّن أن يؤخذ حرفياً، بل لأنّها تستلزم أيضاً رفضاً متشدّداً لإرث المنهج العلمي الإسلامي برمّته. فقد خرج شيوخ بلحاهم الرمادية عن صمتهم المعتاد ليستنكروا العواقب المأساوية المتعلّقة بالإسلام، زاعمين أنّ كل مؤمن عليه أن يفسّر النصوص المقدّسة وفقاً لمقاييسه الشخصية الخاصة.
وهذا النوع من التوجه المتطرّف من شأنه أن يؤدي إلى إعادة قراءة القرآن بصورة تحرّرية، كما هو الحال بالنسبة إلى رجل الدين الجنوب أفريقي فريد إسحاق، الذي أفزع علماء الدين الأصيلين بدفاعه عن حقوق الشاذّين جنسياً بين المسلمين. ولكن الأمر أكثر من ذلك بالنسبة إلى العامّة، إذ يفسح ذلك المجال للشباب الذين أثارت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط حنقهم أن يتجاهلوا الإرث المعرفي والبحث العلمي المجمع عليه بشأن معاني القرآن، فيقرؤون إحباطاتهم الخاصة في داخل النصوص.
وهناك نتيجة أخرى لهذا الرفض للإسلام التراثي الأصيل وهي فكرة أنّ القوة السياسية ينبغي أن تكون في أيدي رجال الدين. وعندما جاء آية الله الخميني إلى السلطة عام 1979، ذكر أنّه قد تحقّق له تماماً أمرٌ لم يكن له سابقة في التاريخ الإسلامي. وكذلك الحال بالنسبة إلى طالبان إذ جمعت بين السيف والقلم من خلال مباشرتها للحكم بدل أن تقوم بدور النصح والمشورة للحكام المتعاقبين. وبعيداً عن كونها حركة متمسكة بالتقاليد والأصالة، فإنّ ذلك يعدّ انحرافاً عن الإسلام، وعلماء السواد الأعظم ينظرون إليه بريبة عميقة.
أثبتت الحضارة الإسلامية في الماضي، قدرة – في أزمنة مختلفة - على تقديم مآثر استثنائية من التسامح. فعندما حكم المسلمون إسبانيا في العصور الوسطى أصبحت ملاذاً للأديان والطوائف المتنوّعة. أمّا بعد إعادة إخضاعها للسيطرة المسيحية، محتْ محاكم التفتيش جميع مظاهر الاختلاف. ولذلك فإن الفكرة التي تقول أن الحضارة الإسلامية أقل قدرة على التسامح والتعاطف بشكل متأصّل من أية حضارة أخرى من الصعب أن تتطابق مع الوقائع.
وبالرغم من ذلك، فالمسلمون يتوجب عليهم مواجهة التحدّي الذي أبرزته البدع الجديدة. ومن العسير أن يستطيع العالم الإسلامي تحمّل السقوط في التعصّب في مرحلة من التاريخ لم يكن الحوار وروح الزمالة قبلها أكثر أهمية منهما فيها.
ومما يبعث على الاطمئنان أن السواد الأعظم من علماء الدين قد عبّروا باتفاق عن معارضتهم للإرهابيين. والذي يجب علينا أن نطلبه منهم الآن أن يقوموا بحملة أكثر قوة ضد التعاليم الزائغة الضالّة التي يتأسس هذا الفكر الإرهابي عليها.
وعلى ذلك، فإنّ كلاً من الطرفين له مسؤولية بدورٍ عليه القيام به. فيجب على الغرب أن يقوم بتنفيس الغضب بتأمين حلّ عادل للمأساة الفلسطينية؛ ولكنّ مسؤولية العالم الإسلامي تكمن في دحر الزيغ الإرهابي من الناحية الدينية العقدية.
تيم ونتر [عبد الحكيم مراد]، أكاديمي مسلم، محاضر في الدراسات الإسلامية في جامعة كمبردج.